الشوكاني

290

فتح القدير

حميمه ، لا يخفى منهم أحد عن أحد . وليس في القيامة مخلوق وإلا وهو نصب عين صاحبه ، ولا يتساءلون ولا يكلم بعضهم بعضا لاشتغال كل أحد منهم بنفسه ، وقال ابن زيد : يبصر الله الكفار في النار الذين أضلوهم في الدنيا وهم الرؤساء المتبوعون . وقيل إن قوله ( يبصرونهم ) يرجع إلى الملائكة : أي يعرفون أحوال الناس لا يخفون عليهم ، وإنما جمع الضمير في يبصرونهم ، وهما للحميمين حملا على معنى العموم ، لأنهما نكرتان في سياق النفي ، قرأ الجمهور " يبصرونهم " بالتشديد ، وقرأ قتادة بالتخفيف . ثم ابتدأ سبحانه الكلام فقال ( يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ) المراد بالمجرم الكافر ، أو كل مذنب ذنبا يستحق به النار لو يفتدي من عذاب يوم القيامة الذي نزل به ( ببنيه وصاحبته وأخيه ) فإن هؤلاء أعز الناس عليه وأكرمهم لديه ، فلو قبل منه الفداء لفدى بهم نفسه وخلص مما نزل من العذاب ، والجملة مستأنفة لبيان أن اشتغال كل مجرم بنفسه بلغ إلى حد يود الافتداء من العذاب بمن ذكر . قرأ الجمهور ( من عذاب يومئذ ) بإضافة عذاب إلى يومئذ . وقرأ أبو حيوة بتنوين " عذاب " وقطع الإضافة . وقرأ الجمهور " يومئذ " بكسر الميم ، وقرأ نافع والكسائي والأعرج وأبو حيوة بفتحها ( وفصيلته التي تؤويه ) أي عشيرته الأقربين الذين يضمونه في النسب أو عند الشدائد ويأوي إليهم . قال أبو عبيد : الفصيلة دون القبيلة . وقال ثعلب : هم آباؤهم الأدنون . قال المبرد : الفصيلة القطعة من أعضاء الجسد . وسميت عشيرة الرجل فصيلة تشبيها لها بالبعض منه . وقال مالك : إن الفصيلة هي التي تربيه ( ومن في الأرض جميعا ) أي ويود المجرم لو افتدى بمن في الأرض جميعا من الثقلين وغيرهما من الخلائق . وقوله ( ثم ينجيه ) معطوف على يفتدي : أي يود لو يفتدي ثم ينجيه الافتداء ، وكان العطف بثم لدلالتها على استبعاد النجاة ، وقيل إن يود تقتضي جوابا كما في قوله - ودوا لو تدهن فيدهنون - والجواب ثم ينجيه ، والأول أولى . وقوله ( كلا ) ردع للمجرم عن تلك الودادة ، وبيان امتناع ما وده من الافتداء ، و " كلا " يأتي بمعنى حقا ، وبمعنى لا مع تضمنها لمعنى الزجر والردع ، والضمير في قوله ( إنها لظى ) عائد إلى النار المدلول عليها بذكر العذاب ، أو هو ضمير مبهم يفسره ما بعده : ولظى علم لجهنم ، واشتقاقها من التلظي في النار وهو التلهب ، وقيل أصله لظظ بمعنى دوام العذاب ، فقلبت إحدى الظائين ألفا ، وقيل لظى : هي الدركة الثانية من طباق جهنم ( نزاعة للشوى ) قرأ الجمهور " نزاعة " بالرفع على أنه خبر ثان لأن ، أو خبر مبتدأ محذوف ، أو تكون لظى بدلا من الضمير المنصوب ، ونزاعة خبر إن ، أو على أن نزاعه صفة للظى على تقدير عدم كونها علما ، أو يكون الضمير في إنها للقصة ، ويكون لظى مبتدأ ونزاعة خبره ، والجملة خبر إن ، وقرأ حفص عن عاصم وأبو عمرو في رواية عنه وأبو حيوة والزعفراني والترمذي وابن مقسم نزاعة بالنصب على الحال . وقال أبو علي الفارسي : حمله على الحال بعيد لأنه ليس في الكلام ما يعمل في الحال ، وقيل العامل فيها ما دل عليه الكلام من معنى التلظي ، أو النصب على الاختصاص ، والشوى الأطراف ، أو جمع شواة ، وهي جلدة الرأس ، ومنه قول الأعشى : قالت قتيلة ماله * قد جللت شيبا شواته وقال الحسن وثابت البناني : نزاعة للشوى : أي لمكارم الوجه وحسنه ، وكذا قال أبو العالية وقتادة . وقال قتادة : تبري اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك فيه شيئا . وقال الكسائي : هي المفاصل . وقال أبو صالح : هي أطراف اليدين والرجلين ( تدعوا من أدبر ) أي تدعو لظى من أدبر عن الحق في الدنيا ( وتولى ) أي أعرض عنه ( وجمع فأوعى ) أي جمع المال فجعله في وعاء ، قيل إنها تقول إلى يا مشرك ، إلى يا منافق ، وقيل معنى تدعو تهلك ، تقول العرب : دعاك الله : أي أهلكك ، وقيل ليس هو الدعاء باللسان ، ولكن دعاؤها إياهم تمكنها من